عديدة هي الأسئلة التي طرحت حول موضوع
النهضة الأدبية المغربية، داخليا وخارجيا، وكانت هذه الأسئلة من قبيل ما موقع
المغرب من النهضة الأدبية المتطورة بالمشرق العربي مثلا؟
ولعل الأمر الذي يستفاد من الدراسات
السوسيوتاريخية أن المغرب ما كان ليظل بعيدا في معزل عن الحركية والتطور الذي
شهدته باقي الأقطار، بل كانت فترة ما قبل الحماية فترة سيعرف فيها المغرب
"نهضة" كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد الله كنون في كتابه" أحاديث عن
الأدب المغربي الحديث".
وتبعا لما سلف، فإن
"النهضة" المغربية قد تأخرت كثيرا مقارنة بنهضة باقي البلدان العربية
(مصر ولبنان"، ذلك أن الظروف السانحة والملائمة لم تكن متوفرة إلا في وقت
متأخر.
فكغيرها من النهضات، كانت وراء نهضة
المغرب الفكرية والثقافية والحضارية، جملة من العوامل، تباينت نسبة تأثيرها حسب
المجالات، ولعل هذا ما سيدفعنا إلى اعتماد عامل الصحافة، بصورة كبيرة لما كان لها
من أثر بليغ في المجال الأدبي. بيد أن هذا لا يمنع أن نسلط الضوء على مجموعة من
العوامل الأخرى حتى لا يتبادر إلى الأذهان أنه ليس هناك غير الصحافة.
وفي ما يلي سأعرض للعوامل التي أوردها
الأستاذ كنون، في معرض حديثه عن "فجر النهضة" في كتابه السالف الذكر.
لقد كان وراء "النهضة
الحقيقية" التي شهدها المغرب قبيل الحماية عند عبد الله كنون أربعة عوامل
رئيسية:
أولا: التعليم الحديث: حيث كان للمغرب بعثات طلابية إلى أوربا،
ثم توظيفها في مختلف المصالح الحكومية حين عودتها، فكان لهذه الشبيبة يد طويلة في
توجيه الأنظار إلى التعليم الحديث، عمق هذا الأثر جهد الحكومة في تأسيس المدارس
العصرية.
ثانيا: الإصلاح الديني انصب عمل العلماء المغاربة آنذاك في
الدعوة إلى السلفية، وإذكاء الشعور الديني بين الناس، وحضهم على التمسك بالكتاب
والسنة. ونذكر على رأس هؤلاء العلماء العلامة أبي شعيب الدكالي.
ثالثا: النهضة الشرقية التي كانت في هذه الفترة كاملة النضج،
مما جعلها عاملا أساسيا في نهضة المغرب.
لقد كانت آثارها ما بين علمية وفنية وأدبية
وكتب ومجلات وصحف، كانت تصل إلى أيادي المغاربة وحسبنا هاهنا آثار كل من محمد عبده
والعقاد والمنفلوطي وغيرهم.
رابعا: الحماية ومقدماتها ونتائجها، حيث كانت حافزا كما يقول
كنون لجميع طبقات الشعب على المقاومة على حد السلاح. إن الحماية قد نبهت الغافل،
وأيقظت النائم ،وكشفت الستار عن الفراغ الذي كان يعيشه المغرب.
إسهام الصحافة في نهضة الأدب والنقد :
صحيح أن العوامل السالفة الذكر وغيرها
لعبت دورا مهما في قيام النهضة الفكرية والثقافية والحضارية بالمغرب، إلا أننا
تناولناها دون تفصيل في الحديث. ذلك أنه سيتم تخصيص الحديث في هذا الفصل،عن وصول
الصحافة ومدى إسهامها في نهضة الأدب والنقد. ، ذلك أنه لا يمكن أن نتحدث عن الأدب
المغربي دون استحضار الصحافة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يجب أن نغفل الدور
الكبير الذي لعبته الصحافة في توجيه مسار تاريخ المغرب الفكري، والأدبي والحضاري
عامة.
إضافة إلى ما سبق ذكره فدورها في
التعرف على النهضات السابقة ونخص بالذكر هنا( مصر)، ما كان ليتحقق هذا التواصل
لولا الصحافة النشيطة. وفي نفس الصدد فقد كانت بمثابة همزة وصل بين رواد النهضة
وعامة الناس، في مختلف مناطق المعمور.
وتماشيا مع ما سلف ذكره، فإن الصحافة
استطاعت أن تملأ فراغا كبيرا في الحياة الثقافية والفكرية[1]
من حيث استقطابها لجماهير عريضة من القراء والكتاب والمراسلين، فوجهت عقول هذه
الجماهير إلى الواجهة الوطنية وتعويدها على المفاهيم الجديدة وغير المألوفة ومن
ثمة صارت قادرة على تحليل الأحداث والأوضاع، حسب قول كنون
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه على الرغم
من البداية المتواضعة للصحافة المغربية إلا أن إسهامها في نهضة الأدب كان عظيما.
ويمكن تعزيز هذا الطرح بما جاء في دراسات بعض المؤرخين كعبد الله كنون الذي يقول:
"إن معظم الصحف والمجلات في هذه الفترة جاءت لخدمة الثقافة"[2].
ويضيف في نفس الموضوع "إنها تتعهد نهضة الأدب والفكر بصفة عامة"، وذكر
من بين هذه الصحف والمجلات "مجلة السلام" ومجلة "المغرب
الجديد" و"رسالة المغرب"[3].
أما بخصوص ما جاء في الصحف نفسها فلا
يسعنا إلا استحضار ما كتب في افتتاحية جريدة التقدم،إذ تشير هذه الافتتاحية إلى
أنها صدرت لخدمة الثقافة في المغرب الحديث الذي يجب أن يوجد به جو أدبي للتجديد،
والإبداع ،وإظهار مميزات الشخصية المغربية، وتؤكد الافتتاحية نفسها، أنها ستكون
مرتعا خصبا لنشر الأفكار الناضجة والنظريات القيمة، المتولدة عن نشاط الفكر
المغربي كالإنتاج الأدبي[4].
أما ملحق "جريدة المغرب"
فقد أورد مقالا لسعيد حجي تحت عنوان (الكتابة المغربية)، تحدث فيه عن دور الصحافة
في تطوير النثر المغربي وتحسين الكتابة.
هذا بالإضافة إلى أن سعيد حجي يقرن
دور الصحافة المتطور بضرورة نشر المفاهيم الثقافية وتوضيح الرؤيا الجديدة في مجال
الفكر والأدب[5].
إسهام الصحافة في ظهور النقد:
إذا كانت الصحافة قد لعبت دورا أساسيا
في نهضة الأدب، فإن الذي لا يجب إغفاله هو يدها الطويلة في توجيه هذا الأدب، كما
يقول عبد الله كنون.
وفي نفس السياق يقول محمد الصادق
عفيفي: "وما زالت الصحافة بالنقد تتعهده مع غيرها من العوامل وتدفع به في
طريق التطور على صفحاتها حتى اتخذ لنفسه شكلا جديدا"، ويضيف "ولقد أخذ
الكتاب ينزعون إلى إبداء آرائهم في النتاج الأدبي معتمدين على أذواقهم الخاصة في
إصدار الأحكام"[6].
إن الصحافة كما يشير إلى ذلك محمد
خرماش قد أفسحت صدرها للإنتاج النقدي واحتضنت منه الشيء الكثير، ذلك أن أقلام
المثقفين انبرت لنقد الإنتاج الأدبي على صفحات الجرائد، وكان للناقد محمد بن
العباس القباج قصب السبق في هذا المضمار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق